ابن الجوزي

570

كتاب ذم الهوى

بلغني عن جميل بن معمر العذري أنه قال : دخلت على عبد الملك بن مروان ، فقال : يا جميل حدثني ببعض أحاديث بني عذرة ، فإنه قد بلغني أنهم أصحاب أدب وغزل . فقلت : نعم يا أمير المؤمنين ، انتجعوا عن حيهم مرة فوجدوا النّجعة بموضع نازح فقطنوه ، فخرجت أريدهم فبينا أنا أسير إذ غلطت الطريق ، وجنّ عليّ الليل ولاح لي باب فقصدته ، حتى وردت على راع في أصل جبل قد ألجأ غنمه إلى كهف في الجبل ، فسلمت عليه فرد السّلام ، وقال : أحسبك قد ضللت الطريق ؟ قلت : قد كان ذلك فأرشدني ، قال : بل انزل حتى تريح ظهرك وتبيت ليلتك ، فإذا أصبحت وقفتك على القصد . فنزلت فرحّب بي وأكرمني ، وعمد إلى شاة فذبحها وأجّج نارا وجعل يشوي ويلقي بين يديّ ويحدثني في خلال ذلك ، ثم قام إلى كساء كان معه فقطع به جانب الخباء ومهّد لي جانبا وترك جانبا خاليا . فلما كان في الليل سمعته يبكي ويشكو إلى شخص كان معه ، فأرقت ليلتي فلما أصبحت طلبت الإذن ، فأبى ، وقال : الضيافة ثلاث ، فأقمت عنده وسألته عن اسمه ونسبه وحاله ، فانتسب لي فإذا هو من بني عذرة من أشرافهم فقلت : يا هذا وما الذي أحلّك هذا الموضع ؟ فأخبرني أنه كان يهوى ابنة عم له وتهواه ، وأنه خطبها إلى أبيها فأبى أن يزوجه منها لقلة ذات يده ، وأنه زوجها رجلا من بني كلاب ، فخرج بها عن الحي وأسكنها في موضعه ذلك ، وأنه تنكّر ورضي أن يكون راعيا لتأتيه ابنة عمه ويراها . وجعل يشكو إليّ صبابته بها وعشقه لها . حتى إذا جننا الليل وحان وقت مجيئها جعل يتقلقل ويقوم ويقعد ، كالمتوقع لها ، فأبطأت عن الوقت وغلبه الشوق فوثب قائما وأنشأ يقول :